حيدر حب الله
567
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
الطوسي الثاني أيضاً ، فالصحيح هو سقوط إفادتيه ، لكن بمعنى عدم إمكان الأخذ بواحدة منهما بعينها ، لكنّ ذلك لا يمنع من القول بأنّ شهادة النجاشي يرونها في نهاية المطاف معارَضة بنحوٍ ما بحيث لابدّ أن يؤخذ ذلك في تقويم قوّتها الظنيّة . هذا إذا قلنا بأنّ هذا المبنى معناه لزوم الأخذ بما أجمعوا عليه ، أمّا لو كان معناه الأخذ بإجماعهم على حجيّة الظنّ في الرجال ، وأمّا صغرى الظنّ فتكون بيد الباحث الرجالي ، فيُرجع بحسب النتيجة إلى مسلك الظنّ المطلق كما هو واضح . ج - وأمّا على مسلَكَي حجيّة البيّنة وخبر الواحد ، فالأصحّ التعامل مع الموضوع كما يتمّ التعامل في باب الشهادات والقضاء مع رجوع الشاهد عن شهادته قبل إصدار القاضي لحكمه ، من حيث إنّه لا يترتّب على شهادته الأولى أيّ أثر ؛ لفرض أنّه يشهد شهادة جديدة على نفسه بأنّه قد أخطأ في الرؤية أو السماع ، ودليل حجيّة البيّنة أو الخبر لا يشمل مثل هذا المورد بعد فقدان قوّة الكشف في الشهادة الأولى بإقرار صاحبها بخطئه ، فلا يمكن إحراز انعقاد شهادة حجّة ، لنرتّب عليها أثراً في الحكم القضائي . وأمّا شهادته الثانية فالمفترض أنّها لا معارض لها عقلائيّاً بعد أن شهد بأنّه قد أخطأ وأقرّ على نفسه بذلك . وبعبارةٍ أخرى : إنّ الموجود بين أيدينا بعد سقوط الشهادة الأولى هو إقرار الشاهد بخطأ مفاد الشهادة الأولى وإعلانه صحّة مفاد الثانية ، فتكون شهادته الثانية لا معارض لها من كلامه ، فيُلتزم بحجيّتها وكونها مشمولة لحجيّة الخبر والبيّنة . فهذا أشبه شيء بتراجع الشاهد عن اتهام زيد بالسرقة وقوله بأنّه اشتبه في الموضوع ، وأنّ الصحيح هو أنّ السارق عمرو ، فيحكم بوقوع شهادة جديدة في حقّ عمرو لا معارض لها ، ما لم نفقد الظنّ بشهادته الثانية أو بوثاقته وعدالته . وبهذا يظهر أنّه في أكثر الحالات تكون الشهادة المتأخّرة هي المعتمدة ، دون أن يتحوّل ذلك إلى قانون عام كلّي . وهذا كلّه فيما لو علمنا المتقدّم والمتأخّر ، وإلا أشكل الأمر جداً ، وصعب تحصيل الحجيّة لأيّ من الشهادتين اللتين للرجالي الواحد ، لتعارضهما بلا مرجّح في أغلب الحالات على الأقلّ .